الآخرة من أجل الدنيا


إننا لا نتردد في إعادة تأكيد ما قررناه من قبل من أن العقيدة و الأخلاق في القرآن كل واحد لا يتجزأ، بل إننا نذهب إلى أبعد من هذا فنؤكد ما صرحنا به من أن الأخلاق في القرآن المكي هي التي تأسس العقيدة الإسلامية و هو ما يميزها عن غيرها من الديانات. لقد أبرزنا غير ما مرة أن المحاور التي يدور حولها خطاب العقيدة في القرآن ثلاثة: النبوة و التوحيد و المعاد، و أشرنا في تعاليقنا و استطراداتنا إلى أن ما يتميز به القرآن عن التوراة و الإنجيل هو تركيزه على المحور الثالث: البعث و الجزاء. إما إثبات النبوة و الدفاع عنها و تأكيد "التوحيد" (إقرار وحدة الألوهية و شجب الشرك و عبادة الأصنام) فهما حاضران في التوراة و الإنجيل حضورها في القرآن، و قد أبرزنا ذلك بالنصوص. لكن موقف كل من التوراة و الإنجيل من المعاد (البعث و الحساب و الجزاء) أضعف كثيرا من موقف القرآن، بل هو غامض و ضبابي.

و لا بد من التذكير هنا بما نبهنا غليه مرارا من أن خطاب الجنة و النار الذي تكرر كثيرا في القرآن المكي كان في آن واحد سلاحا و أخلاقا. أما كونه سلاحا فلتخويف المشركين من النار و حملهم على الطمع في الجنة، و أما كونه أخلاقا فلإشعار المؤمنين بأن الإيمان وحده لا يكفي بل لا بد من خصال معينة بينها القرآن و في مقدمتها التقوى و العمل الصالح. أما التقوى فتعني تجنب الرذائل و أما العمل الصالح فيعني إتيان الفضائل.

و من هنا يجب أن نتساءل: هل يصح القول، باسم القرآن: "الدنيا من أجل الآخرة": من أجل الدخول إلى الجنة أو المصير إلى النار، كما درج على القول بذلك كثير الناس، "علماء و عامة"، في جميع العصور التي تلت عصر النبوة و الخلفاء الراشدين، أم أن الأمر بالعكس من ذلك تماما، و هو أن الآخرة، أعني الجنة و النار، هما من أجل الدنيا، من أجل أن يسود فيها العدل، و التسامح، و السلام، و التواصي بالصبر و الرحمة، و الدفع بالتي هي أحسن...

لقد جادل الملأ من قريش، كما رأينا، جدالا مريرا، و متواصلا، في موضوع إمكان البعث، لأن البعث يعني الجزاء، يعني المسؤولية. و إذن فالإيمان بالبعث و التسليم به، كان يعني تغيير سلوكهم بالتخلي عن كل ما هو غير مشروع في حياتهم، الاجتماعية و الاقتصادية إلخ. الجنة في القرآن ميدان للثواب على ترك الرذائل و إتيان الفضائل في الدنيا. أما النار فهي، بالعكس، ميدان للعقاب على إتيان الرذائل و ترك الفضائل في الدنيا. فلولا عمل الإنسان في الدنيا لما كانت هناك جنة و لا نار، و على العموم: لولا الدنيا لما كانت هناك آخرة. و إذن فالآخرة من اجل الدنيا و ليس العكس.

محمد عابد الجابري، فهم القرآن: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول، القسم الثاني

5 تعليقات:

إرسال تعليق