‏إظهار الرسائل ذات التسميات دين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دين. إظهار كافة الرسائل

السنَّـة -4-


103

هناك سؤال شهير. لنطبقه على أنفسنا: ما هو حي و ما هو ميت في وجداننا؟

نخر الاستعمار السنة و لا يزال. عرقل الاستعمار الإصلاح و لا يزال.
ذكرنا بدائل. هي تركيبات ذهنية، فرضيات و احتمالات، الفائدة منها التحرر فكريا من حبائل السنة و ردّها عليها.

قلنا إن هناك قاعدة ثابتة في التاريخ و هي أن السنة بمجرد قيامها، تحدّ سابق-سنة و لاحق-سنة. و اعتبار هذا الأمر يوفر لنا حيزا كبيرا من الحرية، يمدنا بالقدرة على التصرف و التأويل، على التسليم بالتنوّع و التعايش.

تود السنة لو تحبسنا في زاوية و تلزمنا بالاختيار، إما شريعة سماوية قارة و إما قوانين بشرية متغيرة. بموقفها هذا، و عكس ما تظن، تؤبد الحاضر المؤلم. هل يوجد على وجه الأرض و طول التاريخ سوى أوامر من البشر؟ و هؤلاء المتحكمون إما مغرورون يدّعون اتصالا دائما و مباشرا مع الخالق، بدون أدنى برهان، و غما متواضعون يعترفون أنها (القوانين) من اجتهادهم (هامش: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله" (آية 50 س 6 الأنعام)، "و لا أعلم الغيب و لا أملك لنفسي ضرّا و لا نفعا" (آية 188 س 7 الأعراف)، "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم واحد" (آية 6 س 41 فصّلت). )

الحذر، مجرد الحذر، بصرف النظر عن خطورة الوضع، يدعونا إلى تفضيل المتواضع على المتكبر، من يطرح مقترحه للنقاش، يقبل أن يجرب، يعدّل، و ربما يُلغي مؤقتا إلى حين تبرز فرصة جديدة لتجربته مرة أخرى.


السنة و الإصلاح، ص 107-108
ذي علاقة: السنة 1 - السنة 2 - السنة 3

الآخرة من أجل الدنيا


إننا لا نتردد في إعادة تأكيد ما قررناه من قبل من أن العقيدة و الأخلاق في القرآن كل واحد لا يتجزأ، بل إننا نذهب إلى أبعد من هذا فنؤكد ما صرحنا به من أن الأخلاق في القرآن المكي هي التي تأسس العقيدة الإسلامية و هو ما يميزها عن غيرها من الديانات. لقد أبرزنا غير ما مرة أن المحاور التي يدور حولها خطاب العقيدة في القرآن ثلاثة: النبوة و التوحيد و المعاد، و أشرنا في تعاليقنا و استطراداتنا إلى أن ما يتميز به القرآن عن التوراة و الإنجيل هو تركيزه على المحور الثالث: البعث و الجزاء. إما إثبات النبوة و الدفاع عنها و تأكيد "التوحيد" (إقرار وحدة الألوهية و شجب الشرك و عبادة الأصنام) فهما حاضران في التوراة و الإنجيل حضورها في القرآن، و قد أبرزنا ذلك بالنصوص. لكن موقف كل من التوراة و الإنجيل من المعاد (البعث و الحساب و الجزاء) أضعف كثيرا من موقف القرآن، بل هو غامض و ضبابي.

و لا بد من التذكير هنا بما نبهنا غليه مرارا من أن خطاب الجنة و النار الذي تكرر كثيرا في القرآن المكي كان في آن واحد سلاحا و أخلاقا. أما كونه سلاحا فلتخويف المشركين من النار و حملهم على الطمع في الجنة، و أما كونه أخلاقا فلإشعار المؤمنين بأن الإيمان وحده لا يكفي بل لا بد من خصال معينة بينها القرآن و في مقدمتها التقوى و العمل الصالح. أما التقوى فتعني تجنب الرذائل و أما العمل الصالح فيعني إتيان الفضائل.

و من هنا يجب أن نتساءل: هل يصح القول، باسم القرآن: "الدنيا من أجل الآخرة": من أجل الدخول إلى الجنة أو المصير إلى النار، كما درج على القول بذلك كثير الناس، "علماء و عامة"، في جميع العصور التي تلت عصر النبوة و الخلفاء الراشدين، أم أن الأمر بالعكس من ذلك تماما، و هو أن الآخرة، أعني الجنة و النار، هما من أجل الدنيا، من أجل أن يسود فيها العدل، و التسامح، و السلام، و التواصي بالصبر و الرحمة، و الدفع بالتي هي أحسن...

لقد جادل الملأ من قريش، كما رأينا، جدالا مريرا، و متواصلا، في موضوع إمكان البعث، لأن البعث يعني الجزاء، يعني المسؤولية. و إذن فالإيمان بالبعث و التسليم به، كان يعني تغيير سلوكهم بالتخلي عن كل ما هو غير مشروع في حياتهم، الاجتماعية و الاقتصادية إلخ. الجنة في القرآن ميدان للثواب على ترك الرذائل و إتيان الفضائل في الدنيا. أما النار فهي، بالعكس، ميدان للعقاب على إتيان الرذائل و ترك الفضائل في الدنيا. فلولا عمل الإنسان في الدنيا لما كانت هناك جنة و لا نار، و على العموم: لولا الدنيا لما كانت هناك آخرة. و إذن فالآخرة من اجل الدنيا و ليس العكس.

محمد عابد الجابري، فهم القرآن: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول، القسم الثاني

السنَّـة -3-

78

السنة ملازمة لمفهوم البراءة.
نفضّل هذا اللفظ، الذي لا يستدعي المدح أو القدح حتى لا ننجرّ إلى جدل عقيم حول اشتقاق لفظ أميّ، علما بأن الاشتقاق لا ينفع في مسألة ذات طابع ثيولوجي أولا و أخيرا.
ليست المسألة هل الرسالة موجهة لشعب أميّ بقدر ما هي هل صحّتها مشروطة بتلك الصفة، و عندئذ تكون الأمية مطلوبة على الدوام و الاستمرار.
نعلم أن هذا هو موقف نظّار الظاهرية و من تأثر بهم من الفقهاء. و نظرية ابن خلدون، ألا تدور كلها حول المفهوم ذاته، حيث تجعل من الدين مجمل ثقافة الشعوب البدوية أي البدئية؟
من يسلّم بهذه المقولة و يربط صحة الرسالة بالأمية الفطرية، ألا يستخلص ضمنيا، و لو لم يعلن ذلك، أنه يحسُن بالنخبة المثقفة أن تعمل على أن تبقى الأغلبية أمية؟ و المقصود هنا ليس اللاثقافة، العجز عن الكتابة و القراءة، بل البراءة، السذاجة الفطرية، القناعة الخُلقية، التواضع الأصلي، الإقرار بالعجز و الحاجة، العفّة الغريزية، الاستغناء عن توسّع الفكر و تفنن الذوق...
القناعة محمودة في كل حال، في شؤون الجسم كما في شؤون العقل.

السنة و الإصلاح، ص 167-168
ذي علاقة: السنة 1- السنة 2

السنَّـة -2-


77

لا يتصور السني مجتمعا بلا طبقات، دع الكلام عن سلطة موزعة أو حكم مشترك. لا يحتاج إلى استلهام التاريخ ليقرر أن الديمقراطية هي عين الفوضى و المساومة فتنة مقنّعة. يقول: هل الكواكب متساوية؟ هل الملائكة سواسية؟ فلماذا لا يكون بين البشر تمييز و تفضيل؟
انحلّت فكرة القدر القاهر في فكرة الرب القاهر.
التمييز واقع ملموس و مشروع، في نظر السني، على كل مستويات المجتمع. هناك حاكم و محكوم، سيد و مولى، شريف و عامي، حر و مملوك، ذكر و أنثى، بالغ و قاصر،عاقل و سفيه، عالم و أمّي، مؤمن و كافر، إلخ.
لا يكتفي الفقيه السنّي بإقرار ثنائية شاملة، بل يتفنن في تنويع أشكالها و تمييز مقاديرها. للحريات درجات و كذلك الشرف و كذلك العلم و كذلك النفوذ... و هكذا يتأسس علم مستقل، حساب مجتمعي يطبق بصرامة في القانون المدني و الجنائي.
إنكار الواقع المتفاوت أو الشك في العلم المتعلق به يعد كفرا و جهالة، سيما و أن إقرار المراتب له مظهر إيجابي: الحد من استبداد الحاكم. كما يقلل من مساوئ التفاوت الاجتماعي، يمثل هذا بدوره سدا ضد الفوضى السياسية.


السنة و الإصلاح، ص 166-167

ذي علاقة: السنّة 1

السنَّـة -1-

76

ينشأ مذهب السنة عن وضع محدد، و يعمل على استمرار ذلك الوضع بالذات.
نترك المؤرخين يتجادلون في مسألة السوابق و اللواحق، الأسباب و المسببات، و نكتفي نحن، صحبة الاجتماعيين، برصد الروابط و العلاقات.
أول العلاقات و أوضحها هي السياسة. أية علاقة أبين من تلك التي تربط التوحيد و الاستبداد؟ في السماء إله واحد و في الأرض حاكم مطلق السلطة. هل في وسع البشر أن يتصوروا الله إلا جالسا على عرشه يفصل في قضايا الكون، يحيط به أعوان و موال حسب ترتيب محكم و مراسيم دقيقة؟ ما إن يكون نطق إلا و يكون تشبيه و التشبيه الذي يسنح للذهن محصور العدد حتى لدى الفرد الملهم الموهوب. من يتلقى الوحي نفسه لا يذكر إلا ما يعقل.
يكفي أن نأخذ التشبيهات و الأمثال على وجهها، و هو ما يفعله تلقائيا أنصار السنة، لكي يطمس كل فارق بين ما يجربه الناس يوميا، حكم الفرد المستبد، و ما هو مقدر منذ الأزل. من البدء يرتدي السلطان لباس القداسة.
هنا يجب اعتبار البعد الزمني.
إذا أخذنا بالمدى الطويل، فإننا نخلص حتما إلى أن حكم الواحد، أكان فرعونيا أو قيصريا أو كسرويا، و هو ما آلت إليه كل التجارب السياسية التي عرفها التاريخ القديم، هو الذي هيأ الأذهان في المدار المتوسطي إلى اعتناق عقيدة التوحيد كما تبلورت في بقعة نائية على أطراف الامبراطوريات المعروضة. طالما استمر هذا الاتجاه، و لم ينعكس في أي مجتمع، فإن التوحيد يظل الفرضية الواردة.
إذا ركزنا بالعكس على المدى القصير، فإننا نستنتج بلا تردد أن التوحيد، سيما في صورته الأكثر سداداً و اتّساقا، الذي يرفض كل وساطة بين الخالق و المخلوق، يؤدي ضرورة بالناس إلى تفويض إدارة شؤونهم إلى فرد مطلق التصرف شريطة أن يوازن إطلاقَ السلطة العدلُ و الأنصاف.
مذهب السنة يميل بالطبع إلى تفضيل البعد القصير، فيختزل الاحتمالات في واحد قابل للتحقيق هو حكم المستبد العادل.

السنة و الإصلاح، عبد الله العروي، ص 165-166