‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات روايات. إظهار كافة الرسائل

فاته أن يكون ملاكاً


في السوق الكبير، اشتريت باقة من الزهور و عند باب المقبرة اشتريت باقة من الريحان. وجدنا هناك بعض حفظة القرآن يقرؤون سورا على بعض القبور و زوارا يترحمون على موتاهم. كنا نتمشى بين القبور عندما سألته:

- هل تعرف مكان كل القبور التي ستقرأ عليها السور؟

- كلا. المهم هو النية. لا يهم أن أقف قدّام قير معيّن لأقرأ رغم أني أعرف بعضها. و أنت أين قبر أخيك؟

نظرت نحو السور الذي دفن قربه أخي و قلت له:

- هناك. لا يمكن العثور عليه. إننا لم نبنِ له قبرا من قبل أن نرحل إلى تطوان. كنا فقراء.

- سأقرأ عليه سورة ياسين.

توقف فوق ربوة و راح يقرأ على أهل الرفاق الذين كلّفوه. عندما انتهى توجهنا نحو المكان الذي دفن فيه قبر أخي. قلت له:

- هنا. قرب هذا المكان.

أخذ يقرأ. أثناء قراءته كنت أنثر الزهور و الريحان على بعض القبور و على الأرض غير المُقَبّرة بالبناء بعد. كان مدفونا هناك. ربما تحت قدمي أو تحت قدمي عبد المالك أو في مكان ما. فجأة فكرت. لكن لماذا هذه القراءة على قبر أخي المجهول؟ إنه لم يذنب. لم يعش سوى مرضه ثم قتله أبي. تذكرت قول الشيخ الذي دفنه: "أخوك الآن مع الملائكة".
أخي صار ملاكا. و أنا؟ سأكون شيطانا، هذا لا ريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة و الكبار شياطين.
لقد فاتني أن أكون ملاكاً.


محمد شكري، الخبز الحافي، الصفحة الأخيرة و ما قبلها

أوهام محطمة

الاقتباس من اقتراح مروان، شكراً على المشاركة مروان :-)


أثارت سخطهم الصور المتحركة التي كان يعرضها ”برونو كريسبي“ و قد أصبح تاجراً غنياً، في المسرح، الذي كانت لهُ شبابيك تذاكر تشبه رأس الأسد. و كان مما يزعجهم أن أحد الأبطال قد مات و دفن في أحد الأفلام، فذرفوا لعذابه و فراقه دموعاً سخية، و لكنهُ ما لبث أن ظهر في فلم آخر حياً، وقد بدا في هيئة رجل عربي.

و ما كان من الجمهور الذي يدفع الواحد من أفراده سِنْتين، كيّ يقاسم الممثلين معاناتهم و مصاعبهم و أحزانهم، ليتحمل هذه السخرية التي لا مبرر لها، فحطم الناس المقاعد جميعاً، و أضطرّ رئيس البلدية، عند إلحاح الدون ”برونو كريسبي“، لأن يعلن على الملأ أن السينما ليست سوى آلة أوهام لا تستأهل الانفجار العاطفي من الجمهور المشاهد.

و بعد ذلك البيان المخيب للآمال، أدرك الناس بأنهم كانوا ضحية حيلةٍ غجريةٍ كبيرة جديدة، فقرروا ألاّ تطأ أقدامهم أرض السينما بعد ذلك. فقد كان لديهم من الحزن ما يكفيهم، و ليسوا بحاجة ليبكوا آلام الآخرين الوهمية.

مئة عام من العزلة، غابرييل غارسيا ماركيز

مصطفى سعيد: عطيل كان أكذوبة


و خطر لي أن أقف و أقول لهم: "هذا زور و تلفيق. قتلتهما أنا. أنا صحراء الظمأ. أنا لست عطيلا. أنا أكذوبة. لماذا لا تحكمون بشنقي فتقتلون الأكذوبة!"

موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح، ص 43-44


و المحلفون أيضا، أشتات من الناس، منهم العامل والطبيب و المزارع و المعلم و التاجر و الحانوتي، لا تجمع صلة بيني و بينهم، لو أنني طلبت استئجار غرفة في بيت أحدهم فأغلب الظن أنه سيرفض، و إذا جاءت ابنة أحدهم تقول له أنني سأتزوج هذا الرجل الأفريقي، فيحس حتما بأن العالم ينهار تحت رجليه. و لكن كل واحد منهم في هذه المحكمة سيسمو على نفسه لأول مرة في حياته. و أنا أحس تجاههم بنوع من التفوق، فالاحتفال مقام أصلا بسببي، و أنا فوق كل شيء مستعمر، إنني الدخيل الذي يجب أن يبت في أمره. حين جيأ لكتشنر بمحمود ود أحمد و هو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة اتبرا، قال له: "لماذا جئت بلدي تخرب و تنهب؟" الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، و صاحب الأرض طأطأ رأسه و لم يقل شيئا. فليكن أيضا ذلك شأني معهم. إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، و قعقعة سنابك خيل اللنبي و هي تطأ أرض القدس. البواخر مخرت عرض النيل لأول مرة تحمل المدافع لا الخبز، و سكك الحديد أنشئت أصلا لنقل الجنود. و قد أنشؤوا المدارس ليعلمونا كيف نقول "نعم" بلغتهم. إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوربي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل في السوم و الفردان. جرثومة مرض فتاك أصابهم منذ أكثر من ألف عام. نعم يا سادتي، إنني جئتكم غازيا في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ. أنا لست عطيلا. عطيل كان أكذوبة.

ص 116-117

حوار داخل حقيبة

شخص يطرق باب الحقيبة. ليس الزائر موتا أو كوكبا طائشا. إنها مجموعة رجال انتدبتهم السلطة ليتأكدوا من تجعد جلدي، و من صلابة يدي، و مما إذا كان لساني مغروسا بشوك الورد..

- لماذا تختبئ في هذه الحقيبة؟

- لا أختبئ فيها، بل أسكنها..

- لمْ تذهب إلى العمل البارحة..

- كنت حزينا، إذ هجرتني زوجتي..

- ألا تدري بأن هذا عمل تخريبي؟

- تنازلت عن أحلامي و أوهامي بعتبة الباب. كائن مفلس أنا مثلما تفلس شركة...

- أي إفلاس تقصد؟

- كل جنوني الذي كان يساعدني على الحياة..

- هل صرحت بذلك؟

- إلى الليل الذي يسكنني صرحت بكل جنوني...

- سنعتقلك اللحظة. أنك متهم بكونك أحمق بكونك تسكن داخل حقيبة بكونك تهذي بكونك مخربا خطيرا بكونك تتكلم لغة خاصة.. أنت متهم بكونك لا تشبه الآخرين...

هلوسات على جدران الوحدة، الطاهر بن جلون، ص 12-13