‏إظهار الرسائل ذات التسميات في الكتابة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات في الكتابة. إظهار كافة الرسائل

القراءة المغرضة


نتكلم أحيانا عن القراءة المغرضة، أو التأويل المغرض، و نقصد بهذه العبارة القراءة التي تصدر عن سوء نية، عن نية مبيتة للإساءة إلى النص المقروء أو إلى صاحبه. ما هي، بالمقابل، القراءة غير المغرضة؟ أهي التي تصدر عن حسن نية؟ و لكن ما معنى حسن النيّة عندما يتعلق الأمر بالقراءة؟ يكفي أن نضع السؤال ليبرز –فيما أعتقد- مشكل كبير، و هو: كيف ينبغي أن نقرأ؟ ما هي شروط و مقاييس القراءة الجيدة؟ هذا السؤال يثير بدوره مشكلا من نوع آخر: من سيحكم على قراءة ما بأنها جيدة أو رديئة؟ من سيقول القول الفصل؟ ما هو مسلم به اليوم أن القارئ يقرأ النص انطلاقا من اهتمامات تخصّ الجماعة التي ينتمي إليها، فيهدف دائما، من خلال قراءته، إلى غاية، إلى غرض، سواء أكان حسن النية أم كان سيئها، فإنه يسعى إلى إثبات غرض من الأغراض. بهذا المعنى فإن كل قراءة مغرضة!


و لذلك يشبه القارئ ببروكوست. و بروكوست هذا قاطع طريق يوناني كان يعذّب ضحاياه بطريقة فريدة من نوعها. كان له فراشان: فراش كبير و فراش صغير، فكان يطرح المسافرين الطويلي القامة على الفراش الصغير و المسافرين القصيري القامة على الفراش الكبير. ثم يعمد إلى أرجل الطويلي القامة فيقطعها لأنها تتعدّى الفراش الصغير. أما القصيرو القامة فكان يجذب أرجلهم حتى يكونوا تماما على قدّ الفراش الكبير… بشيء من المبالغة نستطبع أن نقول إن هذا هو حال القارئ عندما يقطع أجزاء من النص و يجذب إليه أجزاء أخرى حتى تنسجم مع التأويل الذي يقترحه –أو يفرضه- على النص. و لحسن الحظ فإن القارئ الذي يعذّب النص لا ينجو من العقاب. ذلك أن لقصّة بروكوست تتمة: فلقد تسلط عليه بطل من الأبطال ذات يوم و أذاقه نفس العذاب الذي كان يذيقه لضحياه.



الحكاية و التأويل، عبد الفتاح كيليطو

الناقد و القارئ


الناقد المحترف يفقد، مع الزمن، حاسة التعاطف الأدبي. هذا موقف إيجابي في تقويم الإبداع، لكنه يتحول إلى آلة إلكترونية تخضع الأعمال الأدبية عنده لمنهاج واحد، و إيديولوجية معينة. إن طبيعة انتماءه تفرض عليه أن يكسب هو أيضا جمهوره من المنتمين مثله أو المتعاطفين مع انتماءه. مثل هذا الطموح لا يتم إلاّ على حساب الكاتب لصالح القارئ العادي. هذا القارئ -إذاً- هو المتفرج. إنه الرابح دائما في مثل هذه الدعوى التي يقيمها الناقد على الكاتب. إنها لا تكلف القارئ العادي حتى الشهادة الإجبارية. و هناك نقاد مهووسون بأعمال بعض الكتاب الذين يشتهرون في ظروف خاصة*. إنهم لا يملكون، وسط دهشتهم، إلاّ أن يصفقوا لأيّ عمل يظهر للكاتب المعبود. سمعت عن ناقد مصري شاب كتب عن نجيب محفوظ بهذا المعنى: "إني أعبده عبادة صوفية". هكذا نرى أن القراء العاديين لا يشاركون في حوار إبداعيّ جيّد. حتى استهلاكهم للثقافة نفتقد جدواه ما دمنا لا نعرف مدى تجاوبهم الحقيقي معنا، و جدية حكمهم التي تدفعنا إلى الإيمان بحضورهم. لا يمكن لومهم، إلاّ في أضيق حيز، ما دام الأدب الحقيقي ليس موجها إليهم. هناك قراء يستمتعون بما يقرؤون لناقد بالذات أكثر مما يستمتعون بالعمل الذي ينتقده لهم، لكن أيضا هناك نقادا بلا قراء، و كتابا لا قرّاء لهم و لا نقاد.
* نحن اليوم في العالم العربي نمر بمثل هذه الفترة في أوجها: هناك كثير من الأعمال الأدبية و الفكرية و الفنية كل هم أصحابها هو أن يصرحوا في وجوهنا بشعار الالتزام على حساب الإبداع الحقيقي.
غواية الشحرور الأبيض، محمد شكري، ص 59-60